أحمد بن علي الطبرسي

88

الاحتجاج

حياة كل شئ ، من : الزرع ، والنبات ، والأنعام ، وكل الخلق لو حبس عنهم لما عاشوا ، والريح لو حبست إياه لفسدت الأشياء جميعا ، وتغيرت ، ثم الغيم والرعد والبرق والصواعق ، كل ذلك إنما هو دليل على أن هناك مدبرا يدبر كل شئ ومن عنده ينزل ، وقد كلم الله موسى وناجاه ، ورفع الله عيسى بن مريم ، والملائكة تتنزل من عنده ، غير أنك لا تؤمن بما لم تره بعينك ، وفيما تراه بعينك كفاية أن تفهم وتعقل . قال : فلو أن الله رد إلينا من الأموات في كل مائة عام واحدا لنسأله عن من مضى منا . إلى ما صاروا ، وكيف حالهم ، وماذا لقوا بعد الموت ، وأي شئ صنع بهم ، ليعمل الناس على اليقين ، واضمحل الشك ، وذهب الغل عن القلوب . قال : إن هذه مقالة من أنكر الرسل وكذبهم ، ولم يصدق بما جاءوا به من عند الله ، إذ أخبروا وقالوا : أن الله أخبر في كتابه عز وجل على لسان أنبيائه ، حال من مات منا ، أفيكون أحد أصدق من الله قولا ومن رسله ، وقد رجع إلى الدنيا ممن مات خلق كثير ، منهم : ( أصحاب الكهف ) أماتهم الله ثلاثمائة عام وتسعة ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث ، ليقطع حجتهم ، وليريهم قدرته وليعلموا أن البعث حق ، وأمات الله ( أرمياء ) النبي عليه السلام الذي نظر إلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر وقال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) ( فأماته الله مائة عام ثم أحياه ) ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم ، وكيف تلبس اللحم ، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل ، فلما استوى قاعدا قال : ( أعلم أن الله على كل شئ قدير ) وأحيى الله قوما خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون ، لا يحصى عددهم ، وأماتهم الله دهرا طويلا ، حتى بليت عظامهم ، وتقطعت أوصالهم ، وصاروا ترابا ، فبعث الله في وقت أحب أن يري خلقه قدرته ، نبيا يقال له : ( حزقيل ) دعاهم فاجتمعت أبدانهم ، ورجعت فيها أرواحهم ، وقاموا كهيئة يوم ماتوا ، لا يفقدون من أعدادهم رجلا ، فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا ، وأن الله أمات قوما خرجوا مع موسى عليه السلام حين توجه إلى الله فقالوا : ( أرنا الله جهرة )